بسم الله قاهر الجبارين وقاسم ظهر المعتدين ورادّ كيد الحاقدين الغاصبين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد واله وصحبة اجمعين.. وبعد،
يقول الحق جل وعلا: " لَتَجدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً للَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ " وبنفس التأكيد أشار ال المتين إلى الحرص الذي يبديه اليهود على الحياة فقال سبحانه: "وَلَتَجدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ" فكان حرصهم -بوصف القرآن- على "حياة" (نكرة) وليس على "الحياة"، أي على "حياة" حيثما كانت وكيفما كانت، ذليلة أم عزيزة، كريمة أم محرومة، يسيرة أم عسيرة، حرة أم مستعبدة... إلخ، ولذلك كان مرادهم الوحيد الأوحد على عهد موسى عليه السلام -وكما هو عهدهم دائما- أن ينعموا بشيء من السلم وقليل من الأمن ولو تحت القهر والذل والاستعباد والقتل والتشريد.. ولم يستحيوا في اتهام "مخلّصهم" بأنه جزء من مشكلهم القومي الذي يكرس واقعهم المنبوذ، والذي كان نتاج تخلفهم عن وصايا كليم الله وإرشاداته لهم، ولأنهم كانوا قوما يستعجلون؛ قال تعالى: "وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ. قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ. قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ. إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا. قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ. أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ".
فكانت شدة العداوة التي يوليها اليهود الحاقدون للمسلمين بنفس الحدة والشدة التي يحرص بها أعداء الله وخلقه على الحياة النكرة، وكأن استمرار الطغمة الفاسقة في الوجود رهين بإخماد شعلة الإسلام الرؤوفة ووهج رحمتها العالمية؛ ولكن ما من سبيل لتحقيق ذلك بالمواجهة المباشرة، فهُم أجبن القوم وأحقر الخلق وأخلدهم إلى الأرض وأضعفهم تضحية بالنفس في سبيل المبادئ والمشروع والثوابت والدولة والمقومات والأرض، كيف لا! وهم "أحرص الناس على حياة"، قال الحق سبحانه: "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ. يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا. فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ. قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ. فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ. وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ. قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ. قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ "..
إن هذه العقلية الجبانة التي لا تـثق في موعود الرب ولا تحترم الأنبياء ولا تقدس العقيدة الصحيحة.. إن هذا الفكر المخبول الذي يتجاوز ببلاهته كافة حدود ال والمقبول، لاشك أنه يبحث عن زوايا التاريخ ليحشر فيها ضعفه وليدس فيها ماهيته الجبانة والعنصرية في ذات الوقت، فيباشر بذلك دعاية داخلية مغرضة من خلال كتبه المقدسة الفاسدة ووسائل إعلامه الزائـفة ليعوض نفسية المنهزم بالعضلات المفتولة الأسطورية علّه يستنهض الهمم القومية لتكون في مصاف عزائم الأمم التي كابدت لتوجد حاضرها ومستقبلها، وبالتوازي يخوض مغامرة خارجية ليغطي كبتـه الدفين للإبادة وتعطشه الحار للدماء بعباءة المسالم المقهور والمظلوم,, وقد وصل الماكرون بخططهم وبروتوكولاتهم إلى دواليب اتخاذ القرار في مراكز مهمة من العالم، ومن هناك يستصدرون ما يشاؤون من قوانين تحفظ لهم "حقوقهم" الهلامية وتدفع عنهم تبعات "واجبهم" الإبادي الاستئصالي الذي يعتقدونه أحد مهامهم الرئيسية في الكون من منطلق أنهم "شعب الله المختار"!
إن عقلية الفساد والإفساد عادت مرة أخرى لتحكم معادلة أجبن الخلق مع باقي أمم المعمور، ولكن هذه المرحلة جاءت بنكهة جديدة، انتقل معها الإفساد من طابعه الماسوشي على عهد فرعون؛ حيث التلذذ بالقهر والإذلال نصيب المفعول به، إلى شكله السادي في عصرنا الحالي حيث لا يُشبع شهوةَ الفاعل إلا مزيد الدمار المادي والمعنوي الذي تتسع رقعته يوما بعد يوم، والذي تتجلى أبهى صوره في التخريب والإبادة والقتل والتشريد وسفك الدماء وهتك الأعراض وانتهاك المقدسات وهدم البيوت وقطع الأشجار.. وما خفي أعظم.
غير أن هذا الوضع القاتم ليس بالغريب على من يثق بموعود الله وينهل من أخبار الغيب ليستشرف المستقبل ويمضي بيقين غير مهزوز نحو التثبيت لشرع الله وتحقيق نهضة الأمة واسترداد كرامتها وعزتها.. ومن ذلك قول الحق جل شأنه: "وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا. إِنْ أَحْسَنتُمْ أحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ. وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا. فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا. عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ. وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا. وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا. إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ".
إن خيارات أمتنا أضحت واضحة لتجتاز مآسيها وآلامها وتمضي قُدما نحو تبليغ رسالتها العالمية الخالدة.. إن هذه الخيارات يمكن إيجازها في عنوان واحد: "تحقيق العبودية لله وحده".. عبودية تطال المجتمع والثقافة والسياسة والاقتصاد.. عبودية من شأنها أن ترفع الأمة من حضيضها ومستنقعها الآسن.. عبودية تنتشل الأمة من سيل الغثائية الغامر ومن واقع القصعة الراكد.. عبودية تعتري الفرد روحا وفكرا ومادة.. عبودية توجه الأمة قلبا وقالبا مظهرا وجوهرا.. عبودية تعيد الاعتبار لرأسمال الكون وتحترم فيه إنسانيته وعقله المكرم.. عبودية تؤسس لنصر الله بنصر الله وإقامة دينه في الذات ومحيطها: "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم".. عبودية تجعل من التذلل لله سبيل الرفعة وطريق التمكين.. عبودية تشعل القلوب حرقة على ما تمر به أمتنا فتترجمها لواقع عملي بعيدا عن العواطف والانتفاضة الموسمية.. عبودية تحقق وحدة الأمة وتبني بنيانها المرصوص الذي يشد بعضه بعضا.. عبودية تحفز المسلم على الانحشار في مصاف المتقدمين بالعلم والتحصيل.. عبودية تستحضر في المرء الرقابة الغربية فيكون عمله خالصا متقنا دائما.. عبودية تُحْيي عقيدة الولاء للإسلام وأهله والبراء من الشرك وأعوانه.. عبودية تتجاوز الذات وتأخذ أبعاد المحيط في الحسبان.. وأخيرا، عبودية تحقق مراد الحق سبحانه في قوله: "فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً"..
لقد أثبت الواقع -غير ما مرة- أن شعب الله المختار (بزعمهم) أصبح اليوم شعب الله المحتار؛ لأن السحر انقلب على الساحر فاحتار الجبان في الاختيار، ولاشك أن جنون العظمة الأعمى سيأخذ الصهاينة الجبناء نحو حتفهم بأيديهم، وحينها سيعلم الذين ظلموا -كل الذين ظلموا- أي منقلب ينقلبون..
فاللهم دمر الطغاة الجبابرة، واكسر شوكتهم وزلزل الأرض من تحت أقدامهم، وشتت شملهم، وجمد الدماء في عروقهم وجنن عقولهم، واجعلهم غنيمة للمسلمين.. آمين.
[CENTER][B][SIZE="6"]خلقني الله وابدع تكويني
وبث روح التحدي في شرايني
انا الموقع على حبل مشنقتي
فخر يشـــرفني
انـــــي
فلســـــــــــــــــــــــــــــــــــــطيني[/SIZE][/B][/CENTER]