قال تعالى : "يوم تبلى السرائر"(الطارق)أي يوم يظهر ما كان مختفيا عن الأنظار فالسر ضد الإظهار والإعلان والبيان وهو كل ما يحرض على اختفائه وعدم إعلانه والبوح به حتى يظل في طي الكتمان ما شاء صاحبه ، والسر موجود في كل المجالات الحياتية في المجالس، المكاتب ،البيوت ، بين الأصدقاء أو الزملاء..
وإفشاء السر حرام لما له من أضرار تعود على صاحبه لذا فإن صاحب السر مطلوب منه أخذ حذره في اختيار من سيودع عنده سره ، قال تعالى يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) ، وقال صلى الله عليه وسلم المؤمن كيِّس فطن) حتى لا يصبح سره شاعا فيؤدي إلى ما لا تحمد عقباه إذن فإفشاء السر مشكلة عويصة لا حل لها سوى الكتمان.
والسر في نظري إذا تجاوز اثنين لم يعد سرا بل يكون كلاما عاديا وعابرا ولا قيمة له رغم أن الكثيرين لا يرون أنه شرط يعني ذلك أنه قد يتعدى اثنين .
يجب على الإنسان عامة والشخص خاصة الالتزام بحفظ الأسرار إذا علمها لأنه كما سبق الذكر يؤدي إلى ضرر بصاحبها أما إذا حُفظت فإنها ذات مكاسب طيبة مادامت بعيدة عن علم الغير قال صلى الله عليه وسلم : (استعينوا بالسر والكتمان على قضاء حاجاتكم )أو ما شابه الحديث. ولقد اعتبر حفظها أيضا من صفات المؤمن عن أنس ابن مالك قال: (احفظ سري تكن مؤمنا)(في فتح الباري). وقد يعرف الشخص بسر ما إما بحكم عمله كالأطباء والضباط أو بحكم الصداقة أو الزمالة أو بحكم الأسرة ( البيوت أسرارا) وقد يسر أحد الزوجين للآخر بسره فوجب عليه كتمانه قال صلى الله عليه وسلم : (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل الذي يفضي إلى المرأة ، وتفضي إليه ثم ينشر سرها- وفي رواية أخرى – ثم ينشر أحدهما سر الآخر)، وإن من وصايا العرب للعروس منذ القدم بـأن تلزم بحفظ سر زوجها ولا تظهره لأحد: (ولا تفشي له سرا، فإنك لو أفشت سره، أغرت صدره) وتكون الأسرار كذلك في المجالس وغيرها قال صلى الله عليه وسلم: (إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهو أمانة ) رواه الترميذي.
فحافظ السر إنسان أمين و الأمانة تماثل السر فكلاهما يجب فيهما الحفظ و الوفاء قال تعالى : "يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ورسوله وأماناتكم وأنتم تعلمون" وحافظ السر كذلك إنسان واع وفطن وفاضل ومحب وذو عزيمة صلبة إذ استطاع أن يجاهد نفسه وشيطانه بعدم البوح بسر الذي استودع عنده كما انه مما لا شك فيه إنسان شهم ويعتمد عليه وبالتالي تستطيع الوثوق فيه وتستريح لصحبته وصداقته ومعاملة معه فهو محمود من طرف الجميع ، إلا أنه قليلا ما تجد مثل هذا الشخص في أيامنا هذه لذا فكثيرا ما نرى مشاحنات وضغينة وكره بين الأفراد نظرا لأن أحدهم قد أفشى سر الآخر فكان من وراء عمله الشنيع هذا تفرقة الجمع أو تخريب الأسرة وتفككها، وفي حالة الحرب قد يتسبب في اضطراب الأمن أو يمكن العدو من النيل كأن يفشي أحد الضباط الخطة الحربية التي تمشي عليها حربهم مع العدو فيُجنى من وراء إفشاء الخبر هلاك ودمار وهزيمة وقد يكون معرفة الخطة عن طريق التجسس فالحرب خدعة وهناك من الناس من يتجسس على الآخرين لمعرفة أسرارهم لتكون نقط ضعف لديهم ولقد نهى الرسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك : (ولا تجسسوا ولا تقاطعوا ولا تدبروا وكونوا عباد الله إخوانا) رواه البخاري ومسلم ، فإفشاء أسرار الغير بمثابة إظهار عوراتهم وعدم البوح بأسرارهم يماثلها ستر عوراتهم قال صلى الله عليه وسلم من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة)،ومفشي الأسرار إما لطبيعة في نفسه أو لإرادة الشر للغير أو حب الخير لشخصه للاستفادة من هذا السر أو أنه إنسان مريض بالثرثرة ونقل الكلام وذو عقدة نقص بداخله وبإفشاء سر صاحبه يكمل بها العقدة الموجودة عنده ليضفي على شخصيته أهمية وعلى معلوماته قيمة وهي حماقة منه وجبن وجهالة فيحتقره الناس ويتجنبونه ويوصي بعضهم البعض على عدم الكلام أمامه .
وللعلاج من هذه الآفة والمعضلة الخطيرة وجب الوقاية فالوقاية خير من العلاج لذا وجب عليك أخي القارئ أن تقي نفسك من هذا الوباء الخطير وذلك بحفظك لسرك في صدرك ولا تبح به لغيرك فإذا أبحته إلى غيرك فكيف تطلب منه الاحتفاظ به وأنت نفسك (أي صاحبه) لم تستطع حفظه وقد قيل : (صدرك أوسع لسرك) وقال علي رضي الله عنه: (سرك أسيرك فإن تكلمت به صرت أسيره)، كما أقول لمن يريد إفشاء سر قد أؤتمن عليه بعدم فعل ذلك لأنك لا تحب أن يعرف سرك فلماذا تبوح بسر غيرك ويقال : (ولا تقل كل ما تسمع ولا تسمع كل ما يقال) وقد يؤدي إفشاؤك له إلى مشاكل تكون أنت أول من ينكوي بنارها سواء عاجلا أم آجلا فلا تظن أن من يستمع لك أنه يحترمك فعلى العكس تماما بل بفعلك هذا سوف يحتاط منك ألف مرة قبل أن يحاكيك ولن يصادقك أبدا لذا وجب عليك حفظ ما أؤتمنت عليه حتى تكون أكثر حضارة وفكرا ورقيا .
وكما يعتبر إفشاء الأسرار ذو حدين إذ يكون سلبيا وإيجابيا ولقد ذكرنا فيما سبق الناحية السلبية، أما الآن فسوف أغوص في إيجابيات كشفه وإظهاره فمثلا إذا تعلق الأمر بإنقاذ حياة صاحبه كأن يبوح صديق لصديقه أنه سوف ينتحر مثلا فيبلغ لوقف هذا العمل، أو لإصلاح بين اثنين أو بين الزوج وزوجته أو لإعادة شخص إلى طريق الصواب فمثلا كمعرفة إدمان صاحبه (أي صاحب السر) على المخدرات بإفشائه سيتم إنقاذه وعلاجه من هذا الوباء الفتاك فهنا كان إفشاء السر واجبا، أو إذا كان فيه مصلحة عامة كإفشاء الطبيب لسر مريضه لمنع مرض معد أو خطير يضر بأفراد المجتمع ويكون كشف السر إيجابيا أيضا إذا كان كتمانه يؤدي إلى مفسدة كمعرفة فاعل جريمة قتل أو سرقة أو غيرها من الجرائم أو الغرض من إفشائه توقيف هذه الجريمة ولقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (المجالس بالأمانة إلا ثلاثة : مجلس سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو قطع مال بغير حق).