( رسالة أبت نفسي إلا أن تكتبها , وإن كنت أعرف أن أصحابها المرسلة إليهم لن يقرأوها , لكنها صرخات مقهورة في صدر ملئ بالوجع , أصرخ بها هنا , فلربما خفف عني الصراخ في هذا العالم الإفتراضي الذي لا يعرفك فيه من أحد , وإن كان العالم الخارجي لا يقل افتراضية عن عالمنا الانترنتي , تشابهت الأسماء والأقنعة , والقيم والمبادئ , والأغراض والرغبات , والأشباح هم الأشباح هنا وهناك .. والأكابر هنا , أكابر هناك , والأصاغر حيثما كانوا هم أنفسهم لا يفصخون جلودهم .. ومايستطيعون ) :
إلى من انطوى داخله على كرهي , أبشر ولتفرح .. فقد نالت مني الحياة .. إلى من كان يستفزه عزة نفسي التي شربتها مع اللبن من أمي , ويمتعض من حفظي لكرامة نفسي .. لتضحك ولتكركر فقد أرهقتني الأيام . إلى من حمل لي البغض وأنكرتني روحه .. لتسعد فقد تضعضع من تكرهه , وناء عنه الفرح , وتمنى مغادرة الكوكب الذي تسكنونه جميعاً .. من أردتم كسره وعجزتم فعلت به الحياة فوق ماتريدون .
ولن أغادر هذا الكوكب حتى أهجوكم, وأهجو كل البشر من غير أن أسمي أحداً باسمه , وأدبج الصحائف , وأسخر اليراع في النيل من أخلاقكم الرخيصة وحياتكم الأرخص , سأنعت هذه الحياة بأنها قذرة , والناس عباد لرغباتهم ومصالحهم , والانسان قليل فيها , وأهل المبادئ والقيم أندر من الكبريت الأحمر وكل يلهث خلف مصالحه , ويدوس على من وقف أمامه , في جشع مقيت , يخرج لسانه في لهاثه , يتمنطق ويتفلسف , يبيع القيم .. ويشرب بالمبادئ .. ويأكل بالأخلاق , حتى يربض على لعاعة الدنيا التي يطاردها ..
ماذنبي وقد خلقني ربي عيوفاً , تعاف نفسي الماء البارد إن كانت معه المهانة , ماذنبي إن خلقني ربي قنوعاً أستف ترب الأرض ولا أريق شئياً من ماء وجهي . ألهذا كرهتموني ؟ ألأني لا أجيد لعق الأحذية ولا أعرف للتمسح بجناب الأصاغر ؟ ألأني بدوي من الصحراء أثبت نفسه في الحياة دون الارتكاس في حمأتكم ؟ أو لأني لا أعرف السجود للصنم وأجهل المديح الكاذب ؟ أقول ما أعتقد .. وأربأ بنفسي عن الدنايا .. أوالخضوع والركوع لغير المستحق سبحانه ..
مهما تقلبت بي الحياة تعلمت من الأكابر الذين رأيتهم وعاشرتهم أن تموت وأنت واقف , أن تخرج روحك وأنت صامت , وتعالج سكرات المنية وحاجاتك مخفية , وأوجاعك تكتمها عن الآخرين . ذق طعم التيه على المتورمين , وانتعل الرغبات , واسخر من الدنيا وأنت تعيشها واكتم الجوى بداخلك وطف جمرة الألم بصدرك , فإنا إلى الله راحلون , وإلى الله صائرون ,
سقتني الحياة من مرها , وجرعتني علقمها وسألني المخلصون مابك ؟ مالوجهك يذوي كشمعة تكاد تنطفئ , ومازلت أعقد الخناصر على حب ربي , والرضا بكل شئ نزل من السماء ..
أيها الشامتون .. هنيئاً لكم فقد غلبه الحزن وأكله الوجع .. أيها الكارهون تقبلوا مني التحايا معتقة بالود والتهنئة فقد تألم من تكرهون .. وتوجع من لا تحبون .
أهمس لكم بالسر .. وماكنت يوماً أظن أنني أهمس لكم بشئ سوى الاصرار و العزوف عن أبوابكم والصدود عن مجالسكم , لقد نزل بي الضر ( وقالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ) , و تاهت خطواتي في بيداء الضياع , وفقدت الشعور بالحياة , وانكسرت فيما بيني وبين نفسي .. نعم مازلت واقفاً لكني من الداخل انكسرت فافرحوا .. هيا افرحوا وصفقوا وأحيوا لياليكم السوداء بالنغم والسرور .
نالت مني الحياة .. وكسرني الرجال الأشداء , وأصبحت ألتقط الكلمات التي تشعل بداخلي الأمل , ولولا خجلي من دمعاتها لآثرت الرحيل لكني أحبها حد الجنون , وأعشق التراب الذي تمشي فوقه . عافت نفسي الرغبات وطال علي ليل الوحدة والغربة ومارأيت حولي إلا الذئاب العاوية , وأبى الصبح أن يسفر, ومازلت أحمد ربي , وكلمة قالتها فتاة مسيحية أصابها ورم غير حميد في بطنها , خجلت كثيراً من نفسي بعدما قرأتها لها ( اللي من عند الله يامحلاه ) .
صدقوني .. سأموت عطشاناً ولن أشرب من كأسكم , وستبقى حاجاتي مغيبة بدهاليز صدري لن يعلمها أحد منكم , سأخفي عنكم وجعي , وسأرحل عن الأماكن التي تتواجدون بها , لن يتطلخ جوفي بالكره لكم , ولكني سأبقى على عزتي , وأموت ومعي كرامتي متشبثاً بها بأظافيري , وأحمل إلى قبري ومعي قلب عيوف وظمآن , ونفس كريمة وهزيلة , وروح عطشى ومكابرة , لكنها لم تعرف الحقد والكره , ولم تنهزم أمام الأصاغر من الناس .